علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )

23

ثمرات الأوراق

عليه ، ثم حمل وصار إلى منزله ، ولم يقل بخلق القرآن ، ومكث في السّجن ثمانية وعشرين شهرا . ولم يزل يحضر الجمعة ويفتي ويحدّث حتى مات المعتصم ، وولي الواثق ، فأظهر ما أظهر من المحنة ، وقال للإمام أحمد : لا تجمعنّ إليك أحدا ، ولا تساكنّي في بلد أنا فيه . فاختفى الإمام أحمد لا يخرج إلى صلاة ولا غيرها حتى مات الواثق ، وولي المتوكّل ، فأحضره وأكرمه ، وأطلق له مالا فلم يقبله وفرّقه ، وأجرى على أهله وولده في كلّ شهر أربعة آلاف درهم ، ولم تزل جارية إلى أن مات المتوكّل . وفي أيّامه ظهرت السّنّة ، وكتب إلى الآفاق برفع ما توقّع من المحنة ، وإظهار السّنّة ، وتكلّم في مجلسه بالسّنّة . ولم يزالوا - أعني المعتزلة - في قوّة إلى أيّام المتوكّل ، ولم يكن في هذه الأمّة الإسلامية أهل بدعة أكثر منهم . ومن مشاهيرهم - على ما ذكروا - من الفضلاء الأعيان : الجاحظ ، وواصل بن عطاء ، والقاضي عبد الجبّار ، والرّمّاني النحويّ ، وأبو عليّ الفارسيّ ، وأقضى القضاة الماورديّ الشّافعي ؛ وهذا غريب . ومن المعتزلة أيضا الصاحب بن عبّاد ، وصاحب الكشّاف « 1 » ، والفرّاء النحويّ والسّيرافيّ ، وابن جنّي . واللّه أعلم . * * * جاريتا جعفر البرمكيّ ومما جنيته من ثمرات الأوراق ، أنّ الرشيد سأل جعفرا عن جواريه ، فقال : يا أمير المؤمنين ، كنت في اللّيلة الماضية مضطجعا وعندي جاريتان ، وهما يكبّساني ، فتناومت عنهما لأنظر صنيعهما ، وإحداهما مكّيّة ، والأخرى مدنيّة . فمدّت المدنيّة يديها إلى ذلك الشيء فلعبت به ، فانتصب قائما ، فوثبت المكّية وقعدت عليه ، فقالت المدنيّة : أنا أحقّ به ؛ لأنّني حدّثت عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « من أحيا أرضا ميتة فهي له » . فقالت المكيّة : وأنا حدّثت عن معمر ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « ليس الصّيد لمن أثاره ، إنما الصّيد لمن اقتنصه « 2 » » . فضحك الرّشيد حتى استلقى على قفاه وقال : هل من سلوة عنهما ؟ فقال جعفر : هما ومولاهما بحكم أمير المؤمنين ؛ وحملهما إليه . * * *

--> ( 1 ) هو محمود بن عمر الزمخشري . ( 2 ) ج : « أخذه » .